“الإسلاميون وقضية اللغة” نظرة في المضامين /باباه ولد التراد

554 views قراءة
أخر تحديث : الأحد 12 مارس 2017 - 4:44 مساءً

قرأت مقالا للكاتب (أحمدو الوديعة ) تحت عنوان ” الإسلاميون والقضية اللغوية ” لمست فيه بعض التحامل على مناهج وأدبيات الإسلاميين ، لكنني لا أعلم هل جرى ذلك  عن قصد أم أن جلد الذات الوطنية والعربية أفاض الكأس ، وحينها تم  تشويه المنطلقات الفكرية والنضالية المفترضة للإسلاميين ، حيث يقول صاحب المقال:

“حين أدخل الخطاب القومي العروبي نفسه والعربية والبلد في مأزق جراء رهاناته الاكراهية على فرض التعريب بالنار واللهيب راودت بعض قطاعاته فكرة خلاصتها دعونا نحاول جر الاسلاميين معنا الى المأزق على طريقة علي وعلى أعدائي.

هنا بدأ التأكيد على البعد الحضاري وعلى المشتركات الثقافية وماشابه، وهو ما كان كافيا لجلب قطاعات من الاسلاميين تجنح بطبعها للبحث عن المشترك ” .

ومع أن هذا المقال بدأ بعبارات مخيفة لمن هو خارج المشهد مثل ” فرض التعريب بالنار واللهيب ” فإن هذه العبارات سلبت الموضوع مصداقيته لأن المطالبة بالتعريب ليست اكراها بأي مفهوم .

ومع ذلك يجوزللمرء أن يتساءل عن :ما هي وسائل الإكراه التي استخدمها القوميون والمواطنون البسطاء إلى جانب “قطاعات من الاسلاميين تجنح بطبعها للبحث عن المشترك ” لفرض اللغة العربية ؟ وماهي الآليات التي يمتلكها القوميون المطالبون بالتعريب ؟، وهل مسك القوميون السلطة في يوم من الأيام في هذا البلد ؟ أم أنهم ظلوا نزلاء سجون من حين لآخر من أجل “التأكيد على البعد الحضاري ” ؟وهل تمت بالفعل إكراهات حقيقية بالنار واللهيب من أجل تعلم اللغة العربية أوالتعريب ؟ وهل تم فرض اللغة العربية أصلا لتصبح لغة الإدارة والعلم والعمل ؟.

ومع ذلك فقد يلاحظ دون عناء من خلال الفقرة التي بين أيدينا أن كاتب المقال يستخف بالإسلاميين لأن القوميين في نظره استطاعوا “جلب قطاعات ” منهم ” تبحث عن المشترك “، وكان من المفترض أن لا يتم جلبهم إلى واجباتهم ومبادئهم ومنطلقاتهم الفكرية من طرف الآخرين ، بل يفترض أن يقود الإسلاميون الرأي السياسي أو يشاركوا في قيادته .

ثم إن اسخدام  عبارة ” جلب قطاعات من الإسلاميين ” توحي بأن الإسلاميين تفرقوا إلى مجموعات لا يربطها فكر واحد وليست لها أهداف مشتركة ، وهذا في اعتقادي تشويه للواقع السياسي للإسلاميين ،إلا إذا كان يقصد بكلامه الحركات الإسلامية المتطرفة التي سبق وأن صارت في يوم من الأيام جزءا من المشهد السياسي الإسلامي .

كذلك فإن” تأكيد ” القوميين “على البعد الحضاري وعلى المشتركات الثقافية ” من أجل إقناع الإسلاميين  بقضية لغتهم ولغة دينهم يرى فيه كاتب هذا المقال أنه ” كان كافيا لجلب قطاعات من الاسلاميين ” ، وهذا يعني من الناحية المنطقية  أن القوميين بذلوا جهودا كبيرة وأساليب علمية متحضرةغير أسلوب ” النار واللهيب ” .

ومع ذلك إذا كان ” البعد الحضاري والمشتركات الثقافية ” بهذه الأهمية عند صاحب هذا المقال حيث اعتبره ” كافيا ” لإقناع الآخر، فإنه كان ينبغي ان يؤسس عليه بإخلاص وصدق نية ليخرج بنتيجة مغايرة ، إلا إذا كانت هذه العبارات كتبها وهو لا يلقي لها بالا ، وعندها يتأكد أن الكاتب تنقصه الموضعية ، التي قد يحتاج إليها لكي يكون مؤهلا للكتابة عن الإسلاميبن الذين ورثوا مع أشقائهم السياسيين الموريتانيين مقاومة ثقافية وقفت سدّا منيعا في وجه اللغة الفرنسية المعادية للنهج الإسلامي الحنيف ولغة القرآن الخالدة  ، وذلك قبل أن ” أدخل الخطاب القومي العروبي نفسه والعربية والبلد في مأزق ” !!

ونتيجة لهذه المقاومة حاول الاستعمار القضاء على المحظرة، لما لها من دور في تأصيل هويتنا العربية الإسلامية التي ظلت تحلق بهذين الجناحين اللذين يحملان قيم الإسلام وعزته مع فصاحة اللسان العربي وبيانه ، إلى أن تمكنت الحضارة العربية الإسلامية في هذا البلد من تكييف الموروث الثقافي والأخلاقي لمختلف المكونات العرقية غير الناطقة بالعربية في موريتانيا .

وفي هذا الصدد كتب الحاكم الفرنسي العام في غربي افريقيا في تقرير إلى وزير المستعمرات (1902) عن صعوبة هذه المهمة، بسبب الخصوصية الثقافية للشناقطة حيث يقول: “وجدنا شعبا له ماض من الامجاد والفتوحات لم يغب عن ذاكرته بعد ومؤسسات اجتماعية لا نستطيع أن نتجاهلها” ومع ذلك ضاعفت فرنسا جهودها من أجل إحلال لغتها و ثقافتها بدلا من اللغة العربية، فأصدرت مرسوما  سنة (1906) يقضي بصرف منحة تشجيعية شهرية قدرها (60أوقية) لكل شيخ محظرة يأمر طلابه بتخصيص ساعتين لتعلم الفرنسية لكن هذا المرسوم فشل تماما.

وبما أن المحظرة  لها مكانة مرموقة في نفوس الموريتانيين فقد استطاعت أن تقف في وجه المستعمرمن خلال:

1)  إصدار الأحكام الشرعية التي تحرم ثقافة المستعمر المسيحية التبشيرية

2)  تحصين المجتمع ضد الإستعمار من خلال نشر الثقافة العربية الإسلامية في ربوع البلاد كافة

3) مقاطعة أغلب السكان للمدرسة الفرنسية

ومع ذلك فإن صاحب هذا المقال قد تجاهل هذا الإرث الجبار والتضحيات الكبيرة ، وأكد بدلا من ذلك كله حرصه على ضرورة التمسك بالفرنسية ، وقدم تبريرات غير مقنعة ،نسبها للإسلاميين ـ وإن كنت أعتقد أنها تلزمه لوحده ـ حين يقول :” إن موقف الاسلاميين من القضية اللغوية كما أعرفه وأفهمه” يعتمد على ثلاثة أبعاد : أولا العربية ، ثانيا اللغات الوطنية ، ثالثا الفرنسية “بصفتها أولا لغة من لغات العالم ” ، و” بصفتها ثانيا لغة جزء معتبر من أمة الإسلام اليوم ” ، و” وبصفتها ثالثا- وهذه هي الأهم – لغة مشتركة مع مكونات وطنية أصيلة أضطرت تحت رفض العسكر ترسيم لغاتها لاعتبار الفرنسية لغة دراسة وعلم وعمل ” .

ـ أما بالنسبة للصفة الأولى فإنها قد ترتب علينا أي مقاربة لغوية أخرى غير الفرنسية لكثرة اللغات العالمية .    ـ وأما الصفة الثانية فقد تجعلنا نعتمد التركية أوالصينية اللتين يتكلم بهما ملايين المسلمين بدلا من الفرنسية التي اكتوينا بنارها ، إذاكانت اللغة العربية قاصرة !!.

وبخصوص الصفة الثالثة فإن الدستور الموريتاني نص في المادة 6: على أن (اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية) .

ومع ذلك ينبغي أن تكون لغة القرآن هي اللغة المشتركة بدلا من اللغة الفرنسية لأنها تعد مفتاح الأصلين العظيمين: الكتاب والسنة ، ولهذا السبب عني الصحابة والسلف عموما باللغة العربية، وحثوا على تعلمها، وذلك قبل “الخطاب القومي العروبي ” .

يقول أمير المومنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه ـ :  “تعلموا العربيةَ فإنها من دينكم “، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ” فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب.. “.

وإذا كانت اللغة العربية لم تكن هي اللغة الأم لبعض مكونات شعبنا ، فإن اللغة الفرنسية لا تربطنا بها سوى علاقة الغالب بالمغلوب ، ومع هذا فان ” كل مولد يولد على الفطرة ..” ، فالطفل صفحة بيضاء ويستطيع أن يتعلم أي لغة بما في ذلك العربية التي سيحتاجها في صلاته ، ومع ذلك فإن أي شعب لايتواصل بواسطة لغة مشتركة لن تكون بينه أواصر مودة ، ويبقي نسيجه الاجتماعي عرضة للتمزق. وحسب الأعراف الدولية فإن لغة الأكثرية تكون في هذه الحالة هي اللغة المشتركة .

ختاما فإنني أشاطر القارئ الكريم حيرته وتعجبه ، خصوصا أن الإسلاميين مكون أساسي من جبهات الدفاع عن الأمة وهويتها وخنادقها  المتقدمة ،ومع ذلك فإن تشويه منطلقاتهم الفكرية والنضالية يعد خطيرا حتى ولو كانت الإساءة من الداخل ، كما أن تشويه المنطلقات النظرية للحركات الوطنية والقومية لا يخدم الإسلاميين في هذا الوقت بالذات الذي تكالب فيه الأعداء على الأمة من كل فج حتى تم تغييب العديد من العواصم الإسلامية العريقة.

رابط مختصر